العالم الفقيه المجاهد
الشيخ سي محمد السنوساوي المقنافي (1937م)
#حافظ القرآن، إمام المسجد الكبير بسبدو، وأحد رجالات العلم والثورة
يُعد الشيخ سي محمد السنوساوي المقنافي من أبرز أعلام مدينة سبدو في النصف الثاني من القرن العشرين، فقد جمع بين حفظ القرآن الكريم، والتفقه في علوم الشريعة، وتعليم الأجيال، والإمامة، والجهاد في سبيل تحرير الوطن، فكان نموذجًا للعالم العامل الذي جمع بين
رسالة المسجد ورسالة الثورة
ولد الشيخ يوم 22 ماي 1937 بدوار مقنافة ببلدية سبدو، في بيت عُرف بالصلاح والتدين، وكان والده
المقدم علي السنوساوي مقدمًا للطريقة الطيبية الوزانية، وهي الطريقة التي أسسها الشريف مولاي عبد الله الشريف العلمي اليملحي الوزاني بمدينة وزان المغربية في القرن السابع عشر، مما أضفى على البيئة التي نشأ فيها الشيخ روحًا علمية وصوفية قائمة على
تعظيم القرآن الكريم وخدمة الدين
قضى سنوات طفولته الأولى بين الرعي والفلاحة، شأن أبناء الريف آنذاك، ثم
صنع له والده وهو في السادسة من
عمره لوحًا خشبيًا، وأرسله إلى ابن
خاله الشيخ سي يحي السنوساوي
ليتعلم مبادئ القراءة والكتابة ويحفظ
ما تيسر من القرآن الكريم. وما إن
ظهرت عليه علامات النبوغ حتى بدأ رحلته في طلب العلم، متنقلًا بين القرى والزوايا، رغم صغر سنه وقسوة
الظروف
انتقل إلى قرية بني سلمان، حيث لازم الشيخ سي عبد الرحمن مبروك قرابة ثلاث سنوات، ثم عاد إلى مقنافة ليتابع حفظ القرآن على يد الشيخ سي محمد العروسي، في فترة كانت المنطقة تعاني آثار المجاعة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، فكان التعليم يتم في البيوت المهجورة، وتحت الأشجار، وفي الشعاب، إلى أن شيّد أهالي مقنافة مسجدهم
سنة 1948، فصار مركزًا للعلم والعبادة
وفي مطلع الخمسينيات انتقل رفقة
قريبه سي أحمد السنوساوي إلى
بني سنوس، فتلقى العلم على الشيخ
سي يحي بوعنان، ثم واصل رحلته العلمية بجامع تافسرة، أحد أقدم
مساجد المنطقة، حيث تتلمذ على يد الشيخ سي محمد طالبي بن عبد المجيب، فأتم حفظ القرآن الكريم، ودرس مبادئ اللغة العربية، والفقه المالكي، وأصول العبادة والسلوك
وكان يحرص في الوقت نفسه على حضور الدروس التي كانت تلقى بمدرسة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين بسبدو، مستمعًا إلى مواعظ الشيخ عمار مطاطلة، فجمع بين التكوين التقليدي
في الكتاتيب، والإصلاح العلمي الذي حملته مدرسة جمعية العلماء المسلمين
ومع اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954، وجّه الشيخ محمد طالبي طلبته إلى العودة إلى قراهم لخدمة القرآن
والثورة معًا، إدراكًا منه لحاجة الوطن
إلى رجال يجمعون بين العلم والوعي الوطني، فعاد الشيخ سي محمد إلى مقنافة، وانخرط في صفوف المنظمة المدنية التابعة لجبهة التحرير الوطني، حيث تولى مهمة كاتب الثورة ومسؤول خلية بالقرية
وبحكم الموقع الاستراتيجي لمقنافة،
التي كانت معبرًا للمجاهدين بين
الحدود المغربية والداخل الجزائري،
شارك الشيخ في خدمة الثورة، ونقل الرسائل، وتنظيم الاتصال، وتوفير الدعم للمجاهدين. وشهد بنفسه معركة
مقنافة يوم 17 ديسمبر 1957، التي ارتقى فيها اثنان وأربعون شهيدًا،
وعاش واحدة من أقسى لحظات
حياته حين أُجبر، مع عدد من المعتقلين، على جمع أشلاء الشهداء بعد المعركة،
قبل أن يُساق مع رفاقه إلى ساحة الإعدام، ثم يكتب الله لهم النجاة
في آخر لحظة
ولم تتوقف معاناته عند ذلك، فقد اعتقل سنة 1960 بمركز التعذيب المعروف بـ"الشاطو" بسبدو، بعد اكتشاف بعض الرسائل التي كان يحررها لفائدة الثورة، فتعرض لألوان التعذيب، خاصة بالصعق الكهربائي، لكنه ثبت ولم يفصح عن
أسرار المجاهدين. ثم أعيد اعتقاله سنة 1961 بسبب وثيقة أخرى بخط يده، فسُجن مع أخيه يوسف، قبل
تحويلهما إلى سجن تلمسان، حيث
بقيا إلى غاية فجر الاستقلال
وبعد استرجاع السيادة الوطنية،
عاد الشيخ إلى رسالته الأولى، رسالة القرآن الكريم، فعمل معلّمًا للقرآن
بدوار تبودة إلى سنة 1966، وأشرف
على تكوين نخبة من الطلبة الذين
واصلوا دراستهم بدار الحديث، ثم أصبحوا من الرعيل الأول الذي ساهم
في تعريب المدرسة الجزائرية
وجزأرتها، فتخرج من بينهم معلمون، ومديرون، وأساتذة جامعيون
ثم عاد إلى مقنافة لتعليم القرآن،
قبل أن ينتقل إلى مدينة سبدو، حيث التحق بالمسجد الكبير، فعمل معلّمًا للقرآن الكريم، ثم مؤذنًا، قبل أن يُعيَّن رسميًا إمامًا للمسجد الكبير، مواصلًا أداء
رسالته في التعليم والإرشاد وخدمة المجتمع، حتى غدا أحد أبرز المراجع الدينية بالمنطقة
لقد جسّد الشيخ سي محمد السنوساوي صورة العالم الرباني الذي عاش للقرآن، وخدم وطنه في أحلك الظروف، وربّى أجيالًا حملت رسالة العلم بعده، فاستحق أن يُذكر في سجل أعلام سبدو
وأن يبقى اسمه شاهدًا على تلازم
العلم والجهاد، والتربية والوطنية،
في تاريخ هذه المدينة العريقة
الدروس المستفادة من سيرته
تؤكد سيرة الشيخ سي محمد السنوساوي أن العلم الحقيقي يُبنى بالصبر والمثابرة، لا بتوفر الوسائل، وأن حفظ
القرآن الكريم كان ولا يزال أساس تكوين العلماء في الجزائر. كما تُبرز أن العالم الصادق لا ينعزل عن قضايا أمته، بل يكون حاضرًا في ميادين الإصلاح والدفاع عن الوطن، وأن التربية القرآنية قادرة على صناعة أجيال تحمل رسالة العلم وتخدم مجتمعها بإخلاص
وتعلمنا سيرته كذلك أن الثبات أمام المحن، والصبر على الابتلاء،
والإخلاص في خدمة الدين والوطن،
هي القيم التي
تصنع الرجال وتخلد آثارهم
دعاء
اللهم ارحم الشيخ الفقيه المجاهد سي محمد السنوساوي رحمةً واسعة، واغفر له، وأكرم نزله، واجعل القرآن الذي
عاش معه معلمًا ومتعبدًا وشفيعًا له
يوم القيامة.
اللهم اجزه عن تعليم كتابك، وعن خدمة دينك، وعن جهاده في سبيل تحرير وطنه، خير الجزاء، واجعل تلامذته وكل من انتفع بعلمه في ميزان حسناته. اللهم بارك في علماء سبدو الأحياء، وارزق هذه البلدة المباركة من يحمل رسالة القرآن والعلم والإصلاح كما حملها أسلافها، واجمعنا وإياهم في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا
:::
منقول من الصفحة الرسمية للاستاد حسين للبشر
سبدو ولاية تلمسان
------
قديري محمد........
Commentaires